السيد الطباطبائي

76

تفسير الميزان

إليها النعمة المسلوبة كما قال تعالى : " وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه " ( يونس : 12 ) ، وقال تعالى : " ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي " ( حم السجدة : 50 ) ، وقال تعالى : " وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض " ( حم السجدة : 51 ) . فتحصل أن مس الضر أبعث للانسان إلى الخضوع للرب وعبادته من وجدان النفع ، ولذلك قدم الله سبحانه الضر على النفع في قوله : " ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا " وكذا في سائر الموارد التي تماثله كقوله : " اتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا " ( الفرقان : 3 ) . ورابعا : أن مجموع الآية : " أتعبدون من دون الله " إلى آخرها حجة على وجوب قصر العبادة في الله سبحانه من دون إشراك غيره معه وهى منحلة إلى حجتين ملخصهما : أن اتخاذ الاله وعبادة الرب إنما هو لغرض دفع الضر وجلب النفع فيجب أن يكون الاله المعبود مالكا لذلك ولا يجوز عبادة من لا يملك شيئا ، والله سبحانه هو السميع المجيب للدعوة العليم بكنه الحاجة من غير جهل دون غيره ، فوجب عبادته من غير إشراك غيره . قوله تعالى : " قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق " خطاب آخر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمره أن يدعو أهل الكتاب إلى عدم الغلو في دينهم ، وأهل الكتاب وخاصة النصارى مبتلون بذلك ، و " الغالي " المتجاوز عن الحد بالافراط ، ويقابله " القالى " في طرف التفريط . ودين الله الذي يفسره كتبه المنزلة يأمر بالتوحيد ونفى الشريك وينهى عن اتخاذ الشركاء لله سبحانه ، وقد ابتلى بذلك أهل الكتاب عامة اليهود والنصارى ، وإن كان أمر النصارى في ذلك أشنع وأفظع قال تعالى : " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون " ( التوبة : 31 ) .